سيد محمد طنطاوي
294
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : أنه قابل * ( لأَنْفُسِكُمْ ) * بقوله * ( فَلَها ) * . وقال الطبري اللام بمعنى إلى أي : فإليها ترجع الإساءة . وقيل : اللام بمعنى على . أي : فعليها ، كما في قول الشاعر : فخر صريعا لليدين وللفم « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار ، بعد إفسادهم للمرة الثانية ، فقال - تعالى - : * ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ، لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ، ولِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوه أَوَّلَ مَرَّةٍ ، ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ) * . والكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله * ( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا ) * فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بني إسرائيل على إفسادكم الثاني في الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوؤا وجوهكم أي : ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم ، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل . قال الجمل ما ملخصه : وقوله * ( لِيَسُوؤُا ) * الواو للعباد أولى البأس الشديد . وفي عود الواو على العباد نوع استخدام ، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده ، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده . وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل ليسوء والفاعل إما اللَّه - تعالى - وإما الوعد ، وإما البعث . وقرأ الكسائي لنسوء - بنون العظمة . أي : لنسوء نحن وهو موافق لما قبله ، من قوله : بعثنا ، ورددنا ، وأمددنا ، ولما بعده من قوله : عدنا ، وجعلنا ، وقرأ الباقون . ليسوؤا ، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ، وهو موافق لما بعده من قوله : * ( ولِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) * * ( ولِيُتَبِّرُوا ) * « 2 » . وقال الإمام الرازي : ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه ، وإنما عزا - سبحانه - الإساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهر الإشراق في الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ، ظهر الكلوح في الوجه « 3 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوه أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - * ( لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ) * .
--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط ج 6 ص 11 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 617 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 2 ص 159 .